من متع الحياة – ولا أُبالغ- عند الكثير من الناس متابعة كرة القدم وتشجيع فريق يحبونه ويجدون في انتصاراته فرحاً وحماساً وانتماءً جميلاً، فالرياضة في أصلها مساحة للترفيه، وكسر الروتين، واجتماع الأصدقاء، وصناعة للحظات الممتعة…
***
وإلى حدٍ ما يُعتبر التعصب أمراً متوقعاً وطبيعياً لدى المشجع ما دام في إطاره وحدوده المقبولة، ولا يتعدى الأمر إلى أذية للآخرين أو للنفس، لكن المشكلة تبدأ حين تتجاوز المشاعر حدودها، فيتحول التشجيع من متعة إلى توتر، ومن حماس إلى انفعال دائم، ومن متابعة عابرة إلى قضية تستنزف النفس والعلاقات..
***
حينها يبدأ البعض بالإساءة للاعبين، أو شتم المدرب، أو السخرية من الجماهير الأخرى، وربما تتطور النقاشات مع الأصدقاء إلى خصومات وعداوات وخسائر اجتماعية لا تستحقها مباراة تنتهي خلال تسعين دقيقة، وهكذا هي كثير من الأشياء التي نحبها كلما تجاوزنا الحد وخرجنا عن إطار الاعتدال، انقلبت من مصدر متعة إلى مصدر تعب وضغط واستنزاف..
***
ومن الزاوية النفسية تحديدًا، فإنّ الأمر يستحق التأمل والمراجعة حين نرى كيف يمكن لخسارة فريقٍ رياضي أن يُفسد يوم الإنسان بالكامل، وينعكس ذلك على مزاجه وتعاملاته وهدوئه الداخلي، وكأنّ جزءًا من قيمته الذاتية قد تعثّر مع تلك الخسارة..
***
ومن زاوية أخرى كذلك كيف سيبرر الأب الذي يسمعه أبناؤه يسّ ويشتم ويتسخّط بسبب مباراة، ماذا يزرع في نفوسهم؟ والزوج الذي يعود إلى منزله غاضباً متوتراً بعد خسارة فريقه، كيف سينعكس ذلك على أسرته؟ بل حتى المقاهي والأماكن العامة التي تعتبر مساحة للراحة والاسترخاء تتحول أحياناً إلى ساحات صخب وانفعال وضجيج لا يهدأ، وكأن الأمر معركة شخصية لا مجرد منافسة رياضية..
كيف يمكن السيطرة على تلك الانفعالات والمشاعر الصاخبة والسيطرة على الحالة النفسية بعد كل هذا التوتر والانفعال لتبقى في معزل عن كل ذلك؟ فإذا كان المقرّبون منك قد نالهم الضرر، فكيف بنفسك أنت؟
***
الإجابة يا كرام عن هذا السؤال تطول، ولا يمكن في هذه الخاطرة الإحاطة بكل تفاصيله، أمام مشهدٍ يصعب تغييره بالكامل. ولسنا هنا نطالب بترك الرياضة أو مقاطعة التشجيع أبدًا، فالميل لفريقٍ معين ومتابعته قد يكون أمرًا ممتعًا وجميلًا، ويحمل كثيرًا من الحماس والذكريات والانتماء.
***
لكن الفكرة باختصار أن نتخفف قليلًا، وأن نستمتع دون أن نؤذي أنفسنا أو الآخرين، وأن نتقبّل الخسارة كما نفرح بالفوز، فليست كل مباراة معركة، ولا كل نتيجة تستحق أن تُفسد يوم الإنسان أو علاقاته أو هدوءه النفسي.
***
فالرياضة وُجدت لتمنحنا المتعة، لا لتسلب منا سكينتنا، والمشجع الواعي هو من يعرف كيف يشجع بحماس، ويتقبل خسارة فريقه بروحٍ رياضية، ثم يغادر المباراة وقلبه أخف، ونفسه أهدأ، وحياته مستمرة بصورةٍ طبيعية بعيدًا عن الانفعال المرهق أو التعصب المؤذي.


