من القلق لأن ذلك جزءٌ طبيعي من الحياة، فهو أمرٌ وارد، ولسنا مطالبين بأن نعيش بلا خوفٍ أو توترٍ نهائياً، لأن ذلك يخالف طبيعتنا البشرية فنحن نقلق على مستقبلنا، وصحتنا، وأحبابنا، وقراراتنا، بل وحتى على أمورٍ صغيرة قد لا تستحق كل هذا التفكير.
***
ولذلك فإن المبالغة في محاولة منع القلق تماماً قد يتحول إلى عبءٍ آخر يرهق الإنسان أكثر من القلق نفسه، فكلما حاول الإنسان أن يكون صلباً طوال الوقت، وأن يمنع أي شعورٍ مزعج من الاقتراب إليه، دخل في صراعٍ داخلي مرهق لا ينتهي، وهنا تظهر فكرة مهمة جداً وهي أن المشكلة ليست دائماً في وجود القلق بل في طريقة تعاملنا معه..
***
البعض عندما يشعر بالقلق (وهو مرتبط بالمستقبل) يبدأ بالاسترسال خلف أفكار وتوقعات غير منطقية وغير عقلانية، فينتقل من احتمالٍ بسيط إلى كارثة متخيلة، ثم يعيش داخل هذه الأوهام وكأنها حقيقة واقعة، ومع مرور الوقت يصبح العقل معتاداً على تضخيم الأمور واستحضار السيناريوهات السلبية باستمرار.
***
ما الذي ينبغي علينا فعله إذن؟
علينا أولاً أن نتقبّل مشاعرنا دون هلعٍ أو مقاومة مبالغٍ فيها. فالتقبل لا يعني الاستسلام ولا يعني أن توافق على معاناتك أو تتوقف عن محاولة التحسن، بل المقصود أن تتعامل مع مشاعرك بوعيٍ وهدوء دون أن تدخل في حربٍ مستمرة معها، التقبل هو أن تقول لنفسك “نعم أنا أشعر بالقلق الآن وهذا أمرٌ وارد” لكنه لا يعني أنني عاجز أو ضعيف أو أن الأمور ستسوء بالضرورة، حينها يبدأ الإنسان بالنظر إلى واقعه بطريقةٍ أكثر اتزاناً، فيفكر بإمكانياته، وموارده، والخطوات العملية التي يستطيع القيام بها بدلاً من الغرق في الخوف والتوقعات..
***
الإنسان حينما يتقبل مشاعره يصبح أكثر قدرة على الحركة والعمل، لأن مقاومة المشاعر طوال الوقت تستنزف الطاقة النفسية وتُشعر الإنسان بالعجز، بينما التقبّل يمنحه مساحةً للهدوء والتفكير الواقعي.
***
ولعل من المهم أيضاً أن ندرك أن التحسن لا يأتي دفعةً واحدة، بل يبدأ بخطواتٍ صغيرة ومتدرجة قد تكون البداية بتنظيم يومك، أو تقليل الاسترسال الفكري، أو مواجهة بعض المواقف بدلاً من الهروب منها، أو حتى الحديث مع شخصٍ تثق به، فالمهم أن تبدأ..


