بين القسوة والرحمة.. كيف نصنع تربية متزنة

في مشهد يتكرر كثيراً يقول أحد الآباء: “أعاقب طفلي يومياً لكنني أراضيه قبل أن ينام!” ويقول آخر: “لا أريد إلا الصمت في المنزل”، وبين هذا وذاك تضيع الطفولة بين قسوةٍ تُبرَّر، وهدوءٍ يُفرض، بينما الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك بكثير، فليست التربية معركة نكسبها بالصوت العالي، ولا ساحة نُثبت فيها سيطرتنا، بل هي رحلة بناء تبدأ من داخلنا قبل أن تصل إلى أبنائنا..

***

الطفل لا يرى نوايانا بل يشعر بأسلوبنا، ويتأثر بردود أفعالنا أكثر من تأثره بكلماتنا. فنحن لما نعاقب ثم نعتذر له لا نُصلح الخطأ بقدر ما نزرع التناقض. وعندما نطلب الصمت الدائم، نحن لا نُربي الهدوء بل نكبت طبيعة الطفولة. فالشقاوة ليست خللاً بل طاقة تحتاج توجيهاً لا قمعاً..

***

وإذا أردنا حقاً معالجة سلوك ما فالأجدر أن نبحث عن أسبابه لا أن نقف عند نتائجه، فخلف كل تصرف مزعج رسالة لم تُفهم بعد، وفي خضم هذه الرحلة تبقى أعظم مهارة يمكن أن يمتلكها المربي هي (ضبط انفعالاته) أن يملك نفسه عند الغضب، وأن يختار ردّة فعل مناسبة، نعم قد نفشل أحياناً وهذا طبيعي لكن المحاولة المستمرة هي التي تصنع الفرق..

***

كم مرة صرخنا لا لنُعلّم بل لنُفرغ غضبنا؟ وكم مرة ظننا أن التوبيخ إصلاح، وهو في الحقيقة مجرد تنفيس؟ الطفل لا يحتاج إلى صوتٍ أعلى… بل إلى فهمٍ أعمق، التربية لا تعني التهاون بل تحتاج إلى حزمٍ واعٍ، حزمٍ يضع حدوداً واضحة دون قسوة، ويمنح حرية دون فوضى..

***

ومن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا: اللطف في الكلام، والكرم في العفو، والقدرة على الصفح، فهم لا يتعلمون مما نقول فقط، بل مما نكون. وأفضل طريقة لنكسب احترامهم… أن نحترمهم، أن نبتعد عن الألفاظ التي تُحطمهم، وعن الأحكام التي تُقلل منهم، فكلمة واحدة قد تُبنى بها نفس، أو تُهدم بها ثقة.

ليس كل ما نفعله لأجل أبنائنا يكون في مصلحتهم، فأحياناً نحبهم بطريقة تُربكهم ونخاف عليهم بطريقة تُضعفهم ونُربيهم بأسلوب يُشبهنا ولا يشبههم ويناسبهم، فالطفل لا يحتاج أباً مثالياً بل يحتاج أباً واعياً يعرف متى يحزم ومتى يلين ومتى يتكلم ومتى يصمت ومتى يُربي ومتى يراجع نفسه.

مشاركة :