عندما تكون وحيداً وتتحدث مع نفسك.. هل تكون أنت المتحدث أم المستمع؟

يعيش الإنسان في داخله حالة من الحوار المستمر قد لا ينتبه له كثيراً، لكنه يُؤثر في قراراته وسلوكه ونظرته لنفسه وللحياة، هذا الحوار ليس مجرد أفكار عابرة بل هو تفاعل خفي بين ما يدفعه وما يردعه..

***

سؤال في حقيقته أعمق مما يبدو، فعندما تتحدث مع نفسك فأنت تقوم بالدورين معاً:

ففي داخلك صوتٌ يتكلم وصوتٌ آخر يُنصت..
صوتٌ يبرّر ويندفع ويرغب..
وصوتٌ يراجع ويسأل ويعيد ترتيب الأمور بهدوء..

كل ذلك ليس انقساماً بل هو من تمام إنسانيتك، فالأمر ليس مجرد تبادل أدوار بسيط، بل هو حوار داخلي بين نسختين منك، فأحياناً قد تكون المتحدث عندما تشرح أو تعبّر عن مشاعرك. وأحياناً تكون المستمع عندما تراجع أفكارك، أو تكتشف خطأً، أو تهدأ بعد انفعال..

***

من المنظور الشرعي يُعبَّر عن هذا التفاعل بمفهوم النفس، التي هي كيان مُتقلب لها أحوال متعددة. فقد أشار القرآن إلى أن النفس تحمل في داخلها قابلية الخير والشر، كما في قوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾، مما يدل على وجود هذا التنازع الداخلي.

***

ومن أبرز تجليات هذا الحوار ما عُرف بـالنفس الأمارة بالسوء، وهي التي تميل بصاحبها إلى الشهوات والأخطاء في مقابل النفس اللوامة التي تراجع وتنتقد وتوقظ الضمير وبين هذين الحالين يسعى الإنسان للوصول إلى حالة من السكون والاطمئنان..

كما أن السنة النبوية أقرت بوجود هذا الحوار الداخلي، حيث بيّن النبي ﷺ أن حديث النفس معفوّ عنه ما لم يتحول إلى قول أو عمل، وهذا يدل على أن مجرد وجود هذه الأفكار أو الأصوات الداخلية أمر طبيعي في حياة الإنسان، وليس محل مؤاخذة بحد ذاته..

***

في نهاية الأمر ليس مطلوباً منك أن تُسكت هذا الحوار بل أن تُحسن إدارته، فالمسألة لا تكمن في كون الإنسان متحدثاً أو مستمعاً، بل في طبيعة هذا الحوار وجودته. فكلما كان أكثر صدقاً واتزاناً كان أقرب إلى النضج وأقدر على اتخاذ قرارات واعية تنسجم مع قيمه وإيمانه..

مشاركة :