في زحام الحياة وتسارعها قد يجد الإنسان نفسه ينسحب بهدوء إلى عالمٍ آخر، عالمٍ يصنعه كما يشاء ويُشبع فيه رغباتٍ لم تتحقق في واقعه، هذا العالم هو ما نُسميه “أحلام اليقظة”، وهي في أصلها ظاهرة إنسانية طبيعية، يمرّ بها الجميع بدرجات متفاوتة، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول من مساحة عابرة للراحة إلى ملاذ دائم للهروب..
***
أحلام اليقظة ليست مجرد خيالات عابرة بل قد تكون حالة من الانفصال المؤقت عن الواقع يغرق فيها الإنسان في (تصورات عن الثراء – أو النجاح – أو المكانة) وكأنها تعويض نفسي عن نقصٍ أو رغبةٍ لم يستطع أن تلبيتها..
***
لا يجب أن نصادر حق الآخرين في الطموح ولا نقلّل من قيمة السعي نحو الأفضل لكن الطريق إلى الأهداف لا يُبنى بالانفصال عن الواقع بل على الارتكاز عليه، والحلم مهم لكن الأهم أن يكون دافعاً للعمل لا بديلاً عنه..
***
وهنا يبرز تساؤل مهم: هل لهذه الحالة ارتباط باضطرابات نفسية؟
في بعض الحالات نعم قد يكون كذلك، حين تصبح هذه الأحلام مُفرطة وتستهلك وقتاً طويلاً وتؤثر على الإنتاجية والعلاقات، وتحتاج إلى وعي ومراجعة لما يسببه من (شتات ذهني – ضعف في التركيز – تأجيل مستمر – عزلة داخلية)،
***
والسؤال الأعمق: لماذا نهرب؟ هل هو من واقع سيئ؟ أم أننا نقارن حياتنا بما نراه يومياً من صورٍ مثالية مُنتقاة؟ كثيرون يملكون حياة مستقرة: (أسرة – عمل – أصدقاء) ومع ذلك يشعرون بنقصٍ ما، هذا الشعور غالباً لا يصنعه الواقع بل تصنعه المقارنات أو السعي خلف كمالٍ متخيَّل لا وجود له، ومن هنا لا بد من إعادة ضبط البوصلة.
ولكي تتخفّف من الاستغراق في أحلام اليقظة عليك أولاً بالرضا والقناعة بما لديك فذلك ليس استسلاماً بل يُعدّ توازناً بأن ترى ما بين يديك بعين الامتنان لا بعين النقص فالقناعة كنز يُحرر النفس، بينما السخط والطمع يفتحان أبواباً لا تُغلق من القلق والتشتت..
***
ابحث عن أسباب الاستغراق الطويل في هذه الأحلام، هل هو ملل وضجر؟ أم بسبب ضغوطات العمل والحياة؟ أو فراغ؟ أو شعور بعدم التقدير؟
ونظّم وقتك بعد ذلك، واملأ يومك بأنشطة واقعية ذات معنى، وقلّل من التعرض المفرط للمحتوى المثالي المضلل..
***
في النهاية المشكلة ليست في أن نحلم بل في أن نستغرق وأن يتحول الحلم إلى بديل عن الفعل، وأن يصبح الخيال بديلاً عن الواقع. حينها تبدأ الأضرار بالتسلل..
لا تهجر خيالك، لكن لا تسكن فيه، عِش واقعك وحسّنه، فالحياة الحقيقية لا تُبنى في الذهن بل تُصنع بالفعل..


