ترددتُ كثيراً في اختيار هذا العنوان “أنت تستطيع” ليس لأنه خاطئ، بل لأنه استُهلك حتى فقد ملامحه وجوهره، وتحوّل عند البعض إلى جملة تسويقية لموضوعات تُقال أكثر مما تُفهم وكأنها وعدٌ مفتوح بلا شروط، أو دفعٌ للناس نحو ما لا يملكونه..
***
بعيداً عن تلك المبالغة هناك أمور يمكن أن نقول فيها نعم أنت تستطيع، ولكن ليس لكل شيء،
وليس بالطريقة التي يتخيلها الآخرون.
وعملياً نحن نُرهق أنفسنا أحياناً بأفكارٍ قابلة للتخفيف ليس لأنها قوية، بل لأننا نُضخم من شأنها وننظر إلى محاولات التغيير وكأنها مثاليات بعيدة ومستحيلة حتى قبل أن نجرّبها.
***
أتذكر صديقاً أردت مساعدته بسبب فكرة غير عقلانية سيطرت عليه، فكرة: “أنه يجب أن أكون محبوباً لدى الجميع” فقد كان يقيس حضوره بردود أفعال الآخرين، ويُستفز إن لم يجد التفاعل الذي ينتظره، حتى بدأ يخسر أشخاصاً ليس لأنهم رفضوه، بل لأنه أثقلهم بتوقعاته..
***
حين تحدثنا معاً كنتُ أعلم يقيناً وهو أيضاً كذلك بأنه يستطيع التخلص من هذه الفكرة ولم أقدّم له حلاً معقداً فقط سألته سؤالاً: هل تستطيع فعلاً أن تجذب انتباه مئة شخص إن جمعناهم لك؟ هل تضمن أن يستمتعوا بمؤانستك؟ وأن يهتموا بك بنفس القدر؟ أم أن نصفهم وربما أقل لن يعنيه الأمر؟
***
صمت قليلاً وبدأت الفكرة تهتز لديه، ليس لأن السؤال عبقري، بل لأنه أعاده إلى الواقع وإلى حقيقة بسيطة مفادها: أن قبول الجميع ليس معياراً، وأن اختلاف الناس ليس رفضاً..
لدي يقين وإيمان بأن الناس متفاوتون ومختلفون في الأفهام والإدراك فالبعض قد يستطيع أن يُخفف من وطأة فكرة مسيطرة، وأن تعيد النظر في توقعٍ مبالغ فيه، وأن تترك مساحة للناس ليكونوا كما هم دون أن تعتبر ذلك انتقاصاً منك.
***
إن ثقافة أنت تستطيع وقع ضحيتها الكثير لأنهم لم يُحسنوا فهمها، (نعم أنت تستطيع) ولكن أحياناً أخرى (أنت لا تستطيع) هذا ما يجب أن تفهمه جيّدا وتستوعبه، فليس كما يُقال دائماً يجب أن نصدقه، افهم نفسك أولاً قبل أن تبدأ بهذه الخطوة الجريئة والجديدة ربما، ولا تروي لنفسك قصصاً مختلفة عنك..


