أبناء بدافعٍ ذاتي..

في تربية الأبناء لا يكفي أن نبحث عن وسائل تدفعهم للإنجاز اللحظي، بل الأهم أن نبني داخلهم «الدافع» الذي يستمر ويقودهم من تلقاء أنفسهم لاكتساب سلوكيات صحية والتوازن في نمط حياتهم، فالابن الذي يتحرك من الداخل لا يحتاج إلى توجيه دائم ليحافظ على عاداته، بل يصبح أكثر وعياً في اختياراته، وأكثر قدرة على تنظيم وقته والاهتمام بصحته حين ننجح في غرس هذا الدافع..

***

يحمل كل أب وأم صورة مثالية يتمناها لأبنائه، مليئةً بالأحلام والتوقعات الجميلة، هذه الصورة قد تكون مصدر إلهام، لكنها قد تتحول إلى عبء حين تصبح معياراً صارماً يُقاس عليه الابن في كل تفاصيله، وعندما يبتعد قليلًا عن هذا التصور يظهر القلق ويتصاعد التوتر ويتحول التوجيه إلى شدّة، وهنا يبدأ الخلل لأن التربية القائمة على الضغط لا تصنع إلا سلوكاً مؤقتاً يزول بزوال الرقابة..

***

التربية الحقيقية يا كرام تُبنى بالصبر والإقناع وإكسابهم الدافع الداخلي، لا بالفرض والإجبار، فهي لا تقوم على طرفٍ واحد بل على تكاملٍ واعٍ بين الأب والأم، فحين يتفقان على هذا المبدأ يشعر الابن بالثبات والطمأنينة، أما التناقض والازدواجية فيربكانه ويضعفان أثر أي توجيه، بل قد يدفعانه إلى التردد أو التمرد..

***

علّمه لماذا يفعل؟ وسيعرف كيف يفعل، وعندما يفهم الهدف من أفعاله، لن يحتاج إلى دفعٍ مستمر، لأن ما يحركه أصبح نابعاً من داخله، لا مفروضًا عليه من خارجه، وفي المقابل قد تُضعف المبالغة في المساعدة هذا البناء. حين نقوم عنهم بما يستطيعون القيام به، فإننا – دون قصد – نسلبهم فرصة التجربة، ونؤخر نضجهم، ونحدّ من ثقتهم بقدراتهم..

 

ابنك ليس بحاجة لمن يدفعه دائماً بل لمن يوقظ رغبته. فالثقة تصنع دافعًا، بينما الضغط يصنع مقاومة، وكلما شعر بقيمته زادت رغبته في الإنجاز لأنه لم يعد يعمل لإرضاء الآخرين بل لإثبات ذاته لنفسه..

***

إن غاية التربية ليست صناعة أبناء مثاليين، بل بناء إنسان متوازن يمتلك دافعاً ذاتياً، ويستطيع أن يمضي في طريقه بثبات حتى في غياب من يوجّهه، فكل تجربة يخوضها بنفسه تضيف لبنة جديدة في بناء دافعيته، لذلك لا تبحث عن إنجاز سريع، فالأمر ليس سباقًا نحو نتائج فورية..

مشاركة :